ابن العربي
250
أحكام القرآن
فتعيّن والحالة هذه أن يكون لكل صنف من هذه الأصناف الثلاثة معنى ليس لصاحبه حتى تتمّ البلاغة ، وتكمل الفائدة ، ويرتفع التداخل الموجب للتقصير ؛ وذلك بأن يكون السفيه والضعيف والذي لا يستطيع ، قريبا بعضه من بعض في المعنى ؛ فإن العرب تطلق السفيه على ضعيف العقل تارة وعلى ضعيف البدن أخرى ، وأنشدوا : مشين كما اهتزّت رماح تسفّهت « 1 » * أعاليها مرّ الرياح النواسم أي استضعفتها واستلانتها فحركتها . وكذلك يطلق الضعيف على ضعيف العقل ، وعلى ضعيف البدن . وقد قالوا : الضعف - بضم الضاد في البدن ، وفتحها في الرأي ، وقيل هما لغتان ، وكلّ ضعيف لا يستطيع ما يستطيعه القوىّ ؛ فثبت التداخل في معنى هذه الألفاظ . وتحريرها الذي يستقيم به الكلام ويصحّ معه النظام أنّ السفيه هو المتناهي في ضعف العقل وفساده كالمجنون والمحجور عليه ، نظيره الشاهد له قوله تعالى « 2 » : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً على ما سيأتي في سورة النساء إن شاء اللّه تعالى . وأما الضعيف فهو الذي يغلبه قلّة النظر لنفسه كالطفل نظيره ، ويشهد له قوله تعالى « 3 » : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ . وأما الذي لا يستطيع أن يملّ فهو الغبىّ الذي يفهم منفعته لكن لا يلفق العبارة عنها . والأخرس الذي لا يتبين منطقه عن غرضه ؛ ويشهد لذلك أنه لم ينف عنه أنه لا يستطيع أن يملّ خاصة . المسألة التاسعة - قوله تعالى : فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ . اختلف الناس على ما يعود ضمير وليّه على قولين : الأول - قيل يعود على الحق ؛ التقدير فليملل ولىّ الحق . الثاني - أنه يعود على الذي عليه الحق ؛ التقدير فليملل ولىّ الذي عليه الحق الممنوع من الإملاء بالسفه والضعف والعجز .
--> ( 1 ) في ا : فسفهت . والمثبت من اللسان ( سفه ) ، ل . ( 2 ) سورة النساء ، آية 5 ( 3 ) سورة النساء ، آية 9